فصل خطر العلم مع قلة العمل
لما رأيت نفسي في العلم حسناً فهي تقدمه على كل شيء وتعتقد الدليل وتفضل ساعة التشاغل به على ساعات النوافل وتقول: أقوى دليل لي على فضله على النوافل.
أني رأيت كثيراً ممن شغلتهم نوافل الصلاة والصوم عن نوافل العلم قد عاد ذلك عليهم بالقدح في الأصول فرأيتها في هذا الاتجاه على الجادة السليمة والرأي الصحيح.
إلا أني رأيتها واقفة مع صورة التشاغل بالعلم فصحت بها فما الذي أفادك العلم.
أين الخوف أين القلق أين الحذر.
أما كان الرسول صلى الله عليه وسلم سيد الكل ثم إنه قام حتى ورمت قدماه.
أما كان أبو بكر رضي الله عنه شجي النشيج كثير البكاء.
أما كان في خد عمر رضي الله عنه خطان من آثار الدموع.
أما كان عثمان رضي الله عنه يختم القرآن في ركعة.
أما كان علي رضي الله عنه يبكي بالليل في محرابه حتى تخضل لحيته بالدموع.
ويقول: يا دنيا غري غيري.
أما كان الحسن البصري يحيا على قوة القلق.
أما كان سعيد بن المسيب ملازماً للمسجد فلم تفته صلاة في جماعة أربعين سنة.
أما صام الأسود بن يزيد حتى اخضر واصفر.
أما قالت ابنة الربيع بن خيثم له: ما لي أرى الناس ينامون وأنت لا تنام.
فقال: إن أباك يخاف عذاب البيات.
أما كان أبو مسلم الخولاني يعلق سوطاً في المسجد يؤدب به نفسه إذا فتر.
أما صام يزيد الرقاشي أربعين سنة وكان يقول: والفاه سبقني العابدون وقطع بي.
أما صام منصور بن المعتمر أربعين سنة.
أما كان إبراهيم بن أدهم يبول الدم من الخوف أما تعلمين أخيار الأئمة الأربعة في زهدهم وتعبدهم أو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد.
احذري من الإخلاد إلى صورة العلم مع ترك العمل به فإنها حالة الكسالى الزمنى: وخذ لك منك على مهلة ومقبل عيشك لم يدبر وخف هجمة لا تقيل العثا - ر وتطوي الورود على المصدر ومثّل لنفسك أي الرعي - ل يضمك في حلبة المحشر فصل زهاد جهلة مما يزيد العلم عندي فضلاً أن قوماً تشاغلوا بالتعبد عن العلم فوقفوا عن الوصول إلى حقائق الطلب.
فروي عن بعض القدماء أنه قال لرجل: يا أبا الوليد إن كنت أبا الوليد يتورع أن يكنيه ولا ولد له!!.
ولو أوغل هذا في العلم لعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: كنى صهيباً أبا يحيى وكنى طفلاً فقال: يا أبا عمير ما فعل النغير.
وقال بعض المتزهدين: قيل لي يوماً: كل من هذا اللبن.
فقلت: هذا يضرني ثم وقفت بعد مدة عند الكعبة فقلت: اللهم إنك تعلم أني ما أشركت بك طرفة عين فهتف بي هاتف ولا يوم اللبن.
وهذا لو صح جاز أن يكون تأديباً له لئلا يقف مع الأسباب ناسياً للمسبب وإلا فالرسول صلى الله عليه وسلم قد قال: " ما زالت أكلة خيبر تعاودني حتى الآن قطعت أبهري.
وقال: ما نفعني مال كمال أبي بكر ".
ومن المتزهدين أقوام يرون التوكل قطع الأسباب كلها وهذا جهل بالعلم.
فإن النبي صلى الله عليه وسلم: دخل الغار وشاور الطبيب ولبس الدرع وحفر الخندق ودخل مكة في جوار المطعم بن عدي وكان كافراً وقال لسعد: لأن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس.
فالوقوف مع الأسباب مع نسيان المسبب غلط والعمل على الأسباب مع تعلق القلب بالمسبب هو المشروع.
وكل هذه الظلمات إنما تقطع بمصباح العلم.
ولقد ضل من مشى في ظلمة الجهل أو في زقاق الهوى.
ما أزال أتعجب ممن يرى تفضيل الملائكة على الأنبياء والأولياء فإن كان التفضيل بالصور فصورة الآدمي أعجب من ذوي أجنحة.
وإن تركت صورة الآدمي لأجل أوساخها المنوطة بها فالصورة ليست الآدمي إنما هي قالب.
ثم قد استحسن منها ما يستقبح في العادة مثل خلوف فم الصائم ودم الشهداء والنوم في الصلاة فبقيت صورة معمورة وصار الحكم للمعنى.
ألهم مرتبة يحبهم أو فضيلة يباهي بهم.
وكيف دار الأمر فقد سجدوا لنا.
وهو صريح في تفضيلنا عليهم فإن كانت الفضيلة بالعلم فقد علمت القصة يوم " لاَ عِلْمَ لَنَا " " يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ ".
وإن فضلت الملائكة بجوهرية ذواتهم فجوهرية أرواحنا من ذلك الجنس وعلينا أثقال أعباء الجسم.
بالله لولا احتياج الراكب إلى الناقة فهو يتوقف لطلب علفها ويرفق في السير بها لطرق أرض مني قبل العشر.
واعجبا أتفضل الملائكة بكثرة التعبد! فما ثم صاد.
أو يتعجب من الماء إذا جرى أو من منحدر يسرع إنما العجب من مصاعد يشق الطريق ويغالب العقبات.
بلى قد يتصور منهم الخلاف ودعوى الإلهية.
لقدرتهم على دك الصخور وشق الأرض لذلك توعدوا: " وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ " لكنهم يعلمون عقوبة الحق فيحذرونه.
فأما بعدنا عن المعرفة الحقيقية وضعف يقيننا بالناهي وغلبة شهوتنا مع الغفلة.
يحتاج إلى جهاد أعظم من جهادهم.
تالله لو ابتلى أحد المقربين بما ابتلينا به ما قدر على التماسك.
يصبح أحدنا وخطاب الشرع يقول له: الكسب لعائلتك واحذر في كسبك.
وقد تمكن منه ما ليس من فعله كحب الأهل وعلوق الولد بنياط القلب واحتياج بدنه إلى ما لا بد منه.
فتارة يقال للخليل عليه السلام: اذبح ولدك بيدك واقطع ثمرة فؤادك بكفك ثم قم إلى المنجنيق لترمى في النار.
وتارة يقال لموسى عليه السلام: صم شهراً ليلاً ونهاراً.
ثم يقال للغضبان: اكظم وللبصير أغضض ولذي المقول اصمت ولمستلذ النوم تهجد ولمن مات حبيبه اصبر ولمن أصيب في بدنه أشكر وللواقف في الجهاد بين الغمرات: لا يحل أن تفر.
ثم اعلم أن الموت يأتي بأصعب المرارات فينزع الروح عن البدن فإذا نزل فاثبت.
واعلم أنك فهل للملائكة من هذه الأشياء شيء وهل ثم إلا عبادة ساذجة ليس فيها مقاومة طبع ولا رد هوى.
وهل هي إلا عبادة صورية بين ركوع وسجود وتسبيح فأين عبادتهم المعنوية من عبادتنا ثم أكثرهم في خدمتنا بين كتبة علينا ودافعين عنا ومسخرين لإرسال الريح والمطر وأكبر وظائفهم الاستغفار لنا.
فكيف يفضلون علينا بلا علة ظاهرة.
وإذا ما حكت على محك التجارب طائفة منهم مثل ما روي عن هاروت وماروت خرجوا أقبح من بهرج.
ولا تظنن أني أعتقد في تعبد الملائكة نوع تقصير لأنهم شديدو الإشفاق والخوف لعلمهم بعظمة الخالق.
لكن طمأنينة من لم يخطىء تقوي نفسه.
وانزعاج الغائص في الزلل يرقى روحه إلى التراقي.
فاعرفوا إخواني شرف أقداركم وصونوا جواهركم عن تدنيسها بلوم الذنوب فأنتم معرض الفضل على الملائكة فاحذروا أن تحطكم الذنوب إلى حضيض البهائم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.